قراءة لابد منها

منذ أن كان الحسين (عليه السلام) راية ومشروع رفض ووثيقة حق مطلق كانت الممارسة الولائية، وهي تعكس أحقية هذه الوثيقة الرافضة لأسلوب الأنظمة الدكتاتورية المستبدة مثلما تعكس مساحات الحنين لمنهج الثورة والتحدي لسياسات الذين يريدون تحويل الحياة الاجتماعية والسياسية في الأمة إلى مزرعة لأهوائهم ومشاريعهم الذوقية.

وعلى امتداد التأريخ، ومن بداية القطرات الأولى لدم الإمامة وهو يراق على مذبح الحرية انطلقت المبادرات الإنسانية لتشيع هويتها بالدم الحسيني، وتقول كلماتها الفطرية أمام محرابه المقدس، وتؤكد أحقية هذا الدم بالخلود والانتصار لمنظومة القيم والمفاهيم الحيوية التي تصدى لإطلاقها في ظهيرة العاشر من المحرم.

لم تنطلق الممارسة الحسينية من نقطة فراغ في التأريخ، ولم تؤسس مقولتها الولائية من سراب المفاهيم المعزولة عن رحم الأمة ومخاضاتها التأريخية العسيرة، بل انطلقت من ذلك التوق إلى رؤية مشهد الحرية والانعتاق من ربقة الدكتاتورية والاستبداد، لتؤسس رؤية مختلفة للدم النبوي يتجاوز الآلية التقليدية عميقاً في تعميق الصلة بين الحسين (ع) والأمة، وبين الأمة وثقافتها وحضارتها وهويتها التأريخية.

من هنا كان هذا الترابط الجدلي التأريخي العميق بين الشعائر الحسينية وبين منطلقات الثورة الحسينية وأبعادها الإنسانية والاجتماعية والسياسية في حياة الأمة وفي حياة الشعوب العربية والإسلامية والمحرومة في هذه الأرض.

الشعائر الحسينية على ضوء هذه الجدلية لا تعكس منظومة من الممارسات البعيدة عن مضمون الرسالة التي قدم الإمام الشهيد (عليه السلام) نفسه من أجلها، بل هي حالة إنسانية لتأكيد أحقية الإنسان في العلاقة مع تأريخه، وفي العلاقة مع منظومة القيم الإسلامية المعاصرة التي تسعى بالسبل الشرعية والأخلاقية والحضارية في تأكيد حضورها الفاعل في دنيا الإنسان، ومن الخطأ الفادح الوقوف ضد هذه الممارسة في الوقت الذي يحاول الآخر الغربي محاربتها وطمس هويتها التأريخية وصولاً إلى طمس جميع أغراض الفلسفة الكونية للثورة الحسينية في التأريخ وإشعاعاتها في الراهن.

وللمرء أن يتأمل مشهد الثورة الحسينية في الواقع الإسلامي المعاصر من دون الشعائر الحسينية، ومن دون دفقة الولاء الإنساني التي تعطي للثورة وأبعادها في التأريخ روح التواصل مع أصل المفاهيم التي ثار الإمام الشهيد من أجلها.

لا يمكن تصور الثورة ومشهد الفجيعة النبوية باستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) من دون الشعيرة المتحركة بثقافة الرفض ورفض الثقافات الهجينة والدخيلة على الثورة وأسلوبها وحرقتها في قلوب العاملين الإسلاميين، أو نعتقد أن استمرار الثورة وعنفوانها التأريخي وحيويتها الإنسانية المستمرة مرتبط أشد الارتباط بهذا الدفق الحسيني الذي ينساب من قلوب المؤمنين بالثورة الحسينية مثلما ينساب الماء الرقراق من مرازيب الحيوية والحضور.

ورغم اليقين الإسلامي أنّ الثورة الحسينية لا يمكن أن تموت انطلاقاً من القول النبوي المأثور بأن ((لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لن تبرد أبداً)) () إلا أنّ الممارسة الحسينية بشكلها الإنساني إنّما تزيد الثورة رسوخاً في الواقع الاجتماعي والروحي والأخلاقي الإسلامي العام، وتحث المسلمين على المضي في طريق الثورة الحسينية لتصل في النهاية إلى أهدافها المشروعة في تحكيم الإسلام شريعة ونظاماً في الحياة.

لقد كانت الأماكن المقدسة أيام عاشوراء تزدحم بسيل من الجماهير الإسلامية من مختلف دول العالم الإسلامي تجدد البيعة لأبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، لأنّها وجدت فيه الحاضن الأساسي لمشروعها الجماهيري، والموئل الذي تستند عليه من غوائل الدهر، وحين يلاحظ القارئ والمتتبع لمسيرة هذه العلاقة التأريخية يجد أنّ هذه العلاقة لم تتأسس على ركائز وهمية، أو أنها علاقة مبنية على بريق المكان المقدس بقدر ما هي محاولة عقلية وفلسفية وواقعية جادة وواعية لاستحضار الصورة الحقيقية للثورة والصورة الأكثر جاذبية للإمام (عليه السلام) .

الإمام الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي كان مدركاً لكل هذه الأبعاد الإنسانية والإسلامية والأخلاقية التي تختزنها الثورة الحسينية وشعائرها في الواقع الإسلامي المعاصر، وكان يدرك طبيعة الأخطار التي تواجه المشروع الحسيني في الراهن مثلما تواجه المشروع الإسلامي العام لحظة بلحظة، وكان يدرك أنّ الشعائر الحسينية محاربة بالشكل الذي يراد منها التنازل عن المعلم الحسيني، والخروج من ساحة الثورة ومنازلة الباطل وإنهاء فصول الدم المقدس الذي أريق على مذبح كربلاء.

لهذا ومن منطلق هذا الوعي حاول منذ البداية إحياء أمر الشعائر بمختلف الوسائل والأساليب الإسلامية والفكرية، ولفت النظر إلى قيمتها ومضمونها وجماهيريتها في الحياة الإسلامية، فمارس جميع الآليات والوسائل التي تمكن هذه الشعيرة من الحياة والاستمرار ابتداء بالمحاضرة والدرس الأخلاقي الاجتماعي، مروراً بالقصيدة الشعرية الجماهيرية، انتهاء بالتأليف ووضع تصوراته وقناعاته الفكرية في هذه المواضيع الرئيسية والحساسة في تأريخ الإسلام وعلاقة الأمة بالإسلام.

وقد كان الشهيد الشيرازي وفي جميع مراحل علاقته الفكرية والجماهيرية والأدبية والثقافية بالشعائر الحسينية وأهميتها بارعاً ساحراً للألباب، رغم الظروف السياسية التي كانت تحاصر النهضة الحسينية الواعية في العراق بشتى الوسائل والممارسات، وكان بحق واحداً من أبرز رواد هذه الشعائر والذائبين في مضامينها الحضارية في الأمة.

وأما الحالة المثقفة المتفجرة بالحزن والفجيعة التي وصلتها الشعائر الحسينية في العراق أو في مختلف دول العالم الإسلامي فستبقى مدينة لمؤلفات الإمام الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي وجهوده في إبراز قضية الإمام الحسين (عليه السلام) والانتصار لمفاهيمها وأفكارها وأبعادها الإنسانية والإسلامية.

وتعزيزاً لمنهج هذه القضية ـ وما تختزنه من مضمون فلسفي فكري وثيق الصلة بالأمة وسبل نهوضها وحياتها ـ كان هذا الكتاب عودة للتذكير بالعِبرة والعَبرة، وتكريساً لحق الحسين (عليه السلام) كمنقذ في أمة كانت قاب قوسين أو أدنى من السقوط في مستنقع الرذيلة والنسيان بقدر ما هو إعادة اكتشاف لأبعاد الفجيعة التي حلت بأهل البيت (عليهم السلام)، هذه الفجيعة التي كانت ولم تزل شاهدة على الصلف الأموي والاستبداد الجاهلي والدكتاتورية البلهاء، وشاهدة على دور الدم المقدس في إحياء النفس والثقافة والحضارة الإسلامية والإنسانية.

الإمام الشهيد السيد حسن الشيرازي أراد من تأليف الكتاب هذا أن يكرس الحق الحسيني مثلما أراد أيضاً دفع حركة الثقافة الإسلامية المعاصرة المتهمة بالتراجع لأخذ دورها الطبيعي في سياق المشروع العام، وكأنّه بذلك أراد أن يؤكد بهذا الكتاب :

(1) أنّ الشعائر الحسينية مشروع إنساني وإسلامي لا يمكن تجاوزه وإلغاؤه بمقولات التحديث المزيف الذي يريد تجاوز الفجيعة والدمعة والعبرة ببضع كلمات في الحضارة والثقافة الجديدة لا ترقى لمعنى الكارثة التي حلت بأهل البيت وسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين (عليه السلام) .

(2) أنّ العلاقة بين الشعائر والإمام هي علاقة بين الأمة وطموحاتها وأهدافها وخياراتها الحضارية وبين باني مشروع هذه الطموحات سيد شباب أهل الجنة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال النهوض بواقع الطموح والهدف الإسلامي الكبير إلا بإدامة الشعائر الحسينية لإحياء المنهج والتذكير بمسلماته الحضارية في الأمة ومستقبلها.

(3) أنّ الشعائر الحسينية ليست مقولة باردة في الفكر بقدر ما هي حالة ساخنة تستمد بريقها وإشعاعاتها وأصالتها ونبلها وكرامتها من سمو المعنى الحسيني ونبل ذاته المقدسة المتحركة في مناخ الاستبداد والظلم الساعية إلى الخلاص والحرية.

(4) الممارسة الحسينية لم تنطلق من فراغ في التأريخ بقدر ما كنت حالة سعى الأئمة المجاهدون (عليهم السلام) إلى إحيائها وتكريسها في الواقع الاجتماعي للأمة، وهي بهذا المعنى متداخلة بقضايا الأمة وتحدياتها وأهدافها، فإذا أرادت الأمة الحرية والحياة الإسلامية الكريمة دون هيمنة أحد فعليها المضي على طريق الثورة الحسينية عبر ممارسة الشعائر وإحيائها.

نترك القارئ الكريم وتأملات الإمام الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي وهو يعيد القلب والعاطفة معاً إلى أصالة الروح الحسينية وسمو الأرواح الطاهرة التي سمت على ملذات الحياة بعطائها وذودها عن حرمة الكيان الإسلامي الحسيني.

نترك عقل القارئ وعاطفته تطوفان في تأملات هذا الشهيد الكبير لكي يروي لهما قصة الثورة الإنسانية والإسلامية الكبيرة التي كانت ولم تزل تعبر عن الشاخص الاستثنائي لمعنى الثورة على الذات وصولاً للثورة على الجلاد.

معاً في رحاب الشعائر الحسينية.

الناشر