|
شق الجيب |
|||
|
وشق الجيب أمر طبيعي ينساق إليه المصاب بدفعة طبيعية عفوية إذا ألحت عليه المصيبة أكثر من احتمال أعصابه، لأنّ الإنسان لا يقاسي مصيبة إلا وترتفع درجة حرارته، وتزداد ضربات قلبه، فيحتاج إلى مزيد من التهوية حتى لا ينصدع، فتسرع الرئة في التنفس، غير أنّ حاجة القلب إلى التهوية قد تكون أكثر من قدرة الرئة على التنفس فيبادر المصاب إلى شق جيبه بإيحاء طبيعي ـ كما يغمض أجفانه بحركة عصبية طبيعية كلما قرب من عينيه شيء خطر ـ ليوفر على القلب التهوية من خارج صدره. ولهذا يكون شق الجيب من نوع غمض الأجفان غير داخل في نطاق الشرع، لأنّه يصدر غالباً بلا وعي تام، بالإضافة إلى أنّه كثيراً ما ينقذ المصاب عن السكتة القلبية. وقد روى الكشي وغيره بأسانيد عديدة . قال: خرج أبو محمد في جنازة أبي الحسن (عليه السلام) وقميصه مشقوق، فكتب إليه أبو عون الأبرش قرابة نجاح بن سلمة: من رأيت أو بلغك من الأئمة شق ثوبه في مثل هذا؟ فكتب إليه أبو محمد (عليه السلام): ((يا أحمق، وما يدريك ما هذا؟ قد شق موسى على هارون)) . وروى المفيد عن علي بن الحسين (عليه السلام): ((أنّ زينب (عليها السلام) لما سمعت الحسين (عليه السلام) ينشد هذه الأبيات:
لطمت وجهها، وهوت إلى جيبها وشقته، وخرّت مغشية عليها)) . وروى السيد ابن طاووس: فأمر يزيد بالحبال فقُطّعت ثم وضع رأس الحسين (عليه السلام) بين يديه، وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرن إليه، فرآه علي بن الحسين (عليهما السلام)، فلم يأكل بعد ذلك أبداً، وأما زينب (عليها السلام) فإنّها لما رأته أهوت إلى جيبها فشقته، ثم نادت بصوت حزين يقرح القلوب: يا حسيناه. وفي الدمعة الساكبة ـ للسيد هاشم البحراني ـ أنّ بني هاشم لما بلغوا كربلاء بعد الرجوع من المدينة أخذوا بالبكاء والنحيب واللطم، وأقاموا العزاء ثلاثة أيام، فخرجت زينب (عليها السلام) في الجمع، وأهوت إلى جيبها فشقته، ونادت بصوت حزين: وا حسيناه، وا حبيب رسول الله، وابن مكة ومنى، وابن فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وابن علي المرتضى (عليه السلام)، آه ثم آه، ووقعت مغشياً عليها. وروى الشيخ في التهذيب عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: ((ولقد شققن الجيوب ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي (عليهما السلام)، وعلى مثله تلطم الخدود، وتشق الجيوب)) . وقد روى ـ كما سبق ـ : ((أنّ زينب (عليها السلام) وجميع النساء شققن الجيوب ولطمن الخدود)) في وفاة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) . على أن الشرع أباح شق الجيوب ليس على الإمام الحسين (عليه السلام) فقط، ولا على المعصومين (عليهم السلام) فحسب، وإنّما لكل رجل أن يشق جيبه في موت كل قريب له، عدا الولد والزوجة، ولكل امرة أن تشق جيبها على كل قريب لها سوى من استثني. ففي جواهر الكلام عن خالد بن سدير قال: سألت أبا عبد الله عن رجل شق ثوبه على أبيه أو على أمه أو على أخيه أو على قريب له؟ فقال: ((لا بأس بشق الجيوب، قد شقَّ موسى بن عمران على أخيه هارون، ولا يشقّ الوالد على ولده، ولا زوج على امرأته، وتشق المرأة على زوجها ولقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي (عليهما السلام)، وعلى مثله تشق الجيوب، وتلطم الخدود)). وهذه رواية صحيحة قد اتفق الأصحاب على العمل بها كالمحقق ابن إدريس الذي لا يعمل بالآحاد. إذاً فلا مانع من شق الجيوب على كل فقيد عدا من استثني، كما لا مانع من شق الجيوب على الإمام الحسين (عليه السلام)، بل يستحب لدخوله في عموم العزاء المندوب تجديده على الحسين (عليه السلام) ولأنّ الإمام الصادق (عليه السلام) ندب إليه في رواية الشيخ في التهذيب ورواية خالد بن سدير، بل يمكن التعدي إلى غير الإمام الحسين (عليه السلام) لمكان كلمة ((مثل)) في هاتين الروايتين.
|