|
المأتم |
|
والمآتم: هو المجلس الذي تعد فيه مصائب إنسان، وهو بطبيعته ساذج يتلون بلون المصائب التي تعد فيه ولون الإنسان الذي تعد مصائبه، ومآتم الإمام الحسين (عليه السلام) هي المجالس التي تعقد لسرد مصائبه فيها، وإقامته للحسين (عليه السلام) موجبة لإقامة ثورة الحسين (عليه السلام) حية خالدة، وتفسير خططها وأهدافها والظروف والملابسات التي دفعتها إلى الوجود حتى تبرز إلى الأذهان كما برزت إلى الوجود. ولولا المآتم التي أقيمت على الإمام الحسين (عليه السلام) منذ استشهاده حتى اليوم لما استطاعت تلك الثورة المحدودة أن تفتح المجال لأهدافها الكبيرة، ولما استطاعت اجتياح حكومة أمية وحكومات تلتها وورثت انحرافها. فثورة الحسين (عليه السلام) كأية حركة ناجحة لو استدرجها التأريخ في صيغة حادثة وقتية لم تقدر على إحراز مكاسبها الكثار، وإنّما قدرت في الماضي وتقدر في المستقبل بواسطة المآتم الكثيرة التي تقام لها وإلحاح الشروح والتعليقات على بسط فلسفتها وأهدافها وأبعادها، فانتصر لها دعاة، وتألب حولها رواد فعاشوها، وأحيوها مرة ثانية وثالثة، وتوراثوها جيلاً عن جيل، واستدروا من ركائزها وقيمها ما يلائم ظروفهم، ويعالج قضاياهم الحية؛ لتكون ثورة كل جيل وقضية كل ساعة حتى تقدر على التلاقح والإنتاج. لأنّ الحسين (عليه السلام) لم يكن إمام جيل، بل إمام الأجيال إلى يوم القيامة، فلا بد أن تكون كافة أعماله وأقواله وفي مقدمتها ثورته عالمية خالدة تعالج المشاكل اليومية والدائمية إلى يوم القيامة، وإغلاق ذلك الجيل على ثورة الحسين (عليه السلام) أكبر جريمة تجاه شخص الإمام (عليه السلام) لأنّه يعني تحديد شخصيته، وبالتالي تحديد رسالته التي من أجلها خلق ومن أجلها قتل. وقد يكون هذا الهدف من أهم العوامل التي كانت تدفع الأئمة (عليهم السلام) إلى إقامة المآتم بأنفسهم، وإلحاحهم على الشيعة بإقامة المآتم على سائر أفراد أُسرهم، وعلى الحسين (عليه السلام) بالذات. فقد روى الشيخ يوسف بن حاتم تلميذ المحقق الحلي في دار النظيم عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: (إنّي حيث أرادوا الخروج بي من المدينة جمعت عيالي فأمرتهم أن يبكوا عليَّ حتى أسمع، ثمّ فّرقت فيهم اثني عشر ألف دينار، ثم قلت: أما إنّي لا أرجع إلى عيالي أبداً). وفي زيارته المأثورة: ((السلام على من أمر أهله بالنياحة عليه قبل وصول المنية إليه)). وفي التهذيب للطوسي عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ((قال لي أبو جعفر: أوقف لي من مالي كذا وكذا لنوادب تندبنني عشر سنين بمنى أيام منى)). وفي المجالس السنية حكى دعبل الخزاعي، قال: دخلت على سيدي ومولاي علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في أيام عشر المحرم، فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب وأصحابه من حوله، فلما رآني مقبلاً قال لي: ((مرحباً بك يا دعبل، مرحباً بناصرنا بيده ولسانه)) ثم إنّه وسع لي في مجلسه، وأجلسني إلى جانبه، ثم قال لي: ((يا دعبل، أُحب أن تنشدني شعراً، فإنّ هذه الأيام أيام حزن كانت علينا أهل البيت، وأيام سرور كانت على أعدائنا خصوصاً بني أمية، يا دعبل، من بكى أو أبكى على مصابنا ـ ولو واحداً ـ كان أجره على الله، يا دعبل، من ذرفت عيناه على مصابنا وبكى لما أصابنا من أعدائنا حشره الله معنا في زمرتنا يا دعبل، من بكى على مصاب جدي الحسين (عليه السلام) غفر الله له ذنوبه ألبته))، ثم إنّه (عليه السلام) نهض، وضرب ستراً بيننا وبين حرمه، وأجلس أهل بيته من وراء الستر ليبكوا على مصاب جدهم الحسين (عليه السلام) ثم التفت إلي وقال: ((يا دعبل، إرث الحسين (عليه السلام) فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حياً، فلا تقصر عن نصرنا ما استطعت) قال دعبل: فاستعبرت، وسالت عبرتي وفي المناقب عن أبي مخنف: فلما دخلت النسوة دار يزيد لم يبق من آل معاوية ولا آل أبي سفيان أحد إلا استقبلهن بالبكاء والصراخ والنياحة على الحسين (عليه السلام) وألقين ما عليهن من الثياب والحلي، وأقمن المآتم عليه ثلاثة أيام. وفي جلاء العيون عن السيد ابن طاووس: ولما رجعت نساء الحسين(عليه السلام) من الشام وبلغوا إلى العراق قالوا للدليل: مر بنا على طريق كربلاء، فوصلوا إلى موضع المصرع، فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد وردوا لزيارة قبر الحسين (عليه السلام) فوافوا في وقت واحد، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد، وأقاموا على ذلك أياماً. وفي جلاء العيون ـ أيضاً ـ عن زرارة في الحسن قال: أوصى أبو جعفر بثمانمائة درهم لمأتمه، وكان يرى ذلك من السنة، لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (اتخذوا لآل جعفر طعاماً فقد شغلوا) . وفي تاريخ الطبري: أقبل الناس إلى عبد الله بن جعفر الطيار يعزونه، فأقبل على جلسائه وقال: الحمد لله عزّ وجلّ على مصرع الحسين (عليه السلام)، إلا تكن آست حسيناً (عليه السلام) يدي فقد آساه ولدي. وفي رياض الأحزان: وأقامت أم البنين زوجة أمير المؤمنين (عليه السلام) العزاء على الحسين (عليه السلام) واجتمع عندها نساء بني هاشم يندبن الحسين (عليه السلام) وأهل بيته، وبكت أم سلمة وقالت: فعلوها ملأ الله قبورهم ناراً. وفي تاريخ الطبري والبداية لابن كثير واللهوف وأمالي الصدوق: لما خطبت زينب عليها السلام في مجلس يزيد هزّت من في المجلس حتى راح الرجل يحدث جليسه بالضلال الذي غمرهم، فلم ير يزيد مناصاً من أن يخرج الحرم من المجلس إلى خربة لا تكنّهم من حر ولا برد، فأقاموا فيها ينوحون على الحسين (عليه السلام) ثلاثة أيام. وفي محاسن البرقي ـ باب الإطعام للمآتم ـ: لما قُتل الحسين بن علي(عليه السلام) لبسن نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكنَّ لا يشتكين من حرّ ولا برد، وكان علي بن الحسين (عليه السلام) يعمل لهن الطعام للمأتم. وروى الكليني عن الصادق (عليه السلام): ((لما قتل الحسين (عليه السلام) أقامت امرأته الكليبية عليه مأتماً، وبكت وبكين النساء والخدم حتّى جفَّت دموعهنَّ وذهبت، فبينا هي كذلك إذْ رأت جارية من جواريها تبكي ومودعها تسيل، فدعتها فقالت لها: ما لك أنت من بيننا تسيل دموعك؟ قالت: إنّي لما أصابني الجهد شربت شربة سويق. قال: فأمرت بالطعام والأسوقة فأكلت وشربت وأطعمت وسقت وقالت: إنّما نريد بذلك أن نتقوَّى على البكاء على الحسين (عليه السلام)). وفي البحار عن الكافي: وأما الرباب فبكت على أبي عبد الله حتى جفت دموعها، فأعلمتها بعض جواريها بأنّ السويق يسيل الدمعة، فأمرت أن يصنع لها السويق لاستدرار الدموع. ولم يكتف الأئمة وأهل البيت بإقامة المآتم على شهدائهم حتى وجّهوا شيعتهم إلى إقامة المآتم عليهم (عليهم السلام)، فعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: ((رحم الله عبداً اجتمع مع آخر فتذاكرا في امرنا، فإنّ ثالثهما ملك يستغفر لهما، وما اجتمع اثنان على ذكرنا إلا باهى الله تعالى بهما الملائكة، فإذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر، فإنّ في اجتماعكم ومذاكرتكم إحياءنا، وخير الناس من بعدنا من ذاكر بأمرنا ودعا إلى ذكرنا)). وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال للفضيل بن يسار: ((تجلسون وتتحدثون؟)) فقال: نعم، فقال: ((إنّ تلك المجالس أُحبها، أحيوا أمرنا، فرحم الله من أحيا أمرنا، فإنّ من جلس مجلساً يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب)) . وفي كامل الزيارات لابن قولويه عن مالك الجهني: أنّ الباقر(عليه السلام) قال: ((ليندب الحسين (عليه السلام) ويبكيه ويأمر من في داره بالبكاء عليه، ويقيم في داره مصيبته بإظهار الجزع عليه، ويتلاقون بالبكاء بعضهم بعضاً بمصاب الحسين (عليه السلام) فأنا ضامن لهم إذا فعلوا ذلك على الله عزّ وجلّ جميع هذا الثواب)) . ويبدو من بعض الأحاديث أنّ ندبة النساء محبوبة في الشرع على المعصومين (عليهم السلام) جميعاً وإن كان الرجال الأجانب يسمعون أصواتهن، فقد أوصى الإمام الباقر (عليه السلام) باستئجار النادبات حتى يندبنه في منى حيث يختلط الرجال والنساء في سفح واحد، ويتطلعون جميعاً إلى كل صوت غير معتاد يرتفع، بل إنّ من هدف الإمام أن يسمع الرجال أصوات النوادب فيتساءلوا عنهن وعن من يندبنه في أيام العيد، وينتهوا باكتشاف ظلامته فيبلغوها إلى مختلف الشعوب ليثيروها حرباً شعواء على الحكام الجائرين الذين اغتصبوا حقه، ثم عمدوا إليه فقتلوا بالسم ظلماً. وإنّ زينب الكبرى (عليها السلام) لم تتحاش عن أن ترفع صوتها بالنياحة على أخيها الشهيد في كل مناسبة بين الأعداء وفي يوم الحادي عشر من المحرم بصورة مشهورة كما روى المفيد والسيد ابن طاووس: أنّ القوم لما مروا بالنسوة على مصارع قتلاهن صحن وضربن وجوههن. قال الراوي: فو الله لا أنسى زينب بنت علي (عليه السلام) وهي تندب الحسين (عليه السلام) وتنادي بصوت حزين وقلب كئيب وا محمداه، فأبكت كل عدو وصديق حتى جرت دموع الخيل على حوافرها، كما في المنتخب للطريحي. وفي بعض الروايات: ((ثم إنّ سكينة اعتنقت جسد الحسين(عليه السلام)، وجعلت تندبه، فاجتمعت عدة من الأعراب حتى جروها عنه)). وقال الإمام المنتظر (عليه السلام) في زيارة الناحية: ((فلما نظرن النساء إلى الجواد مخزياً والسرج عليه ملوياً خرجن من الخدور ناشرات الشعور، على الخدود لاطمات، وبالعويل داعيات)). وفي مقتل الخوارزمي: ((وامحمداه واجداه وانبياه.. واعلياه)). وفي حديث حماد البصري أنّ الصادق (عليه السلام) قال له: ((بلغني أنّ قوماً يأتونه من نواحي الكوفة، وناساً من غيرهم، ونساءً يندبنه، وذلك في النصف من شعبان، فمن بين قارئ يقرأ، وقاص يقص، ونادب يندب، وقائل يقول المراثي)) فقلت له: نعم، جعلت فداك قد شهدت بعض ما تصف، فقال: ((الحمد لله الذي جعل في الناس من يفد إلينا، ويمدحنا، ويرثي لنا، وجعل عدونا من يطعن عليهم من قرابتنا، وغيرهم يهدرونهم، ويقبّحون ما يصنعون)). وفي هذا الحديث تشجيع سافر لنوادب يندبن الحسين (عليه السلام) في مجتمع الرجال، في النصف من شعبان. وقد يستدل المانعون عن الشعائر الحسينية بأنّ صياح النساء بمسمع الرجال الأجانب حرام، لأنّ صوت المرأة عورة. والجواب: أنّ صوت المرأة ليست بعورة، وإنّما العورة ترجيع صوت المرأة كمال قال سبحانه وتعالى: (يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً) فالتغنج بالكلام الذي يجعله مثيراً حرام، وليس مطلق الكلام، وإلا لما أذن الله به لنساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اللواتي رفعن فوق مستوى بقية النساء في هذه الآية الكريمة في قوله عزّ وجلّ: (وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) فمجرد سؤال متاع من أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير ضائر، وإنّما يحظر سؤالهن بلا حجاب لمكان حظر النظر إلى وجه المرأة لا لمكان حظر الاستماع إلى صوتها. على أن السيرة النبوية المقدسة طافحة بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يسمع النوائح من الأسر المفجوعة، فيعزيهن، ويترحم على أمواتهن، وقد أمر بإقامة النائحة على عمه حمزة سيد الشهداء، وعندما ناحت عليه عمته صفية وابنته فاطمة شاركهما في البكاء والحنين في ساحة معركة، حنين بمحضر جمع من الأصحاب الذين رووا ذلك الحادث، وأنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) كانت تندب أباها ليلاً ونهاراً حتى تضايق بها أهل المدينة، فبعثوا إليها علياً (عليه السلام) ليقول لها: إما أن تبكي ليلاً وتسكت نهاراً، وإما أن تبكي نهاراً وتسكت ليلاً. بل يستفاد من عدد من الأحاديث أنّ صراخ النساء على قتلى الطف كان محبوباً عند أهل البيت (عليهم السلام) حتى شمله دعاء الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث معاوية بن وهب، عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا)) . وفي القاموس الصرخة: الصيحة الشديدة، فهي بإطلاقها شاملة النساء كما تشمل الرجال. وروى الصدوق في العيون: أنّ دعبل بن علي الخزاعي لما أنشد الرضا (عليه السلام) تائتيه المشهور. لطمت النساء، وعلا الصراخ من وراء الستر، وبكى الرضا(عليه السلام) بكاءً شديداً حتى أغمي عليه مرتين. وروى أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني بسنده: أنّه لما دخل الحميري على الصادق (عليه السلام) أقعد حرمه خلف الستر، ثم استنشده في رثاء جده الحسين (عليه السلام) فأنشده أبياتاً كثيرة. قال راوي الحديث: فرأيت دموع جعفر (عليه السلام) تنحدر على خديه، وارتفع الصراخ من داره حتى أمره بالإمساك فأمسك. وروى في الكامل عن أبي هارون المكفوف، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال لي: ((أنشدني)) فأنشدته، فقال: ((لا كما تنشدون وكما ترثيه عند قبره)) فنشدته فبكى وتهايج النساء. وروى في الكامل ـ أيضاً ـ عن عبد الله بن غالب، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فأنشدته مرثية الحسين (عليه السلام) . صاحت باكية من وراء الستر: يا أبتاه وإنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) لما خرجت إلى المسجد لتعلن احتجاجها على أبي بكر أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء، وبعد أن أتمت خطابها انعطفت على قبر أبيها وأخذت قبضة من تراب القبر وشمتها. وروي أنّها خرجت في اليوم الثامن من وفاة أبيها إلى قبره وصرخت، فتبادرت النساء، وخرجت الولائد والولدان، وضجّ الناس وجاءوا من كل مكان، وأُطفئت المصابيح لكيلا تبين صفحات النساء. وعند وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) خرجت زينب (عليها السلام) وجميع النساء، وشققن الجيوب، ولطمن الخدود، ووقعت الصيحة فيهن حتى جاء الناس يهرعون، وصاحوا صياحاً عظيماً ارتجت له الكوفة بأهلها. فهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على جواز ندبة النساء بمحضر من الرجال الأجانب؛ لفعل فاطمة الزهراء (عليها السلام) وتقرير عدد من المعصومين لفعل حرمهم وغير حرمهم، بالإضافة إلى ورود الأدلة على جواز الإصغاء إلى صوت المرأة بلا ضرورة مطلقاً. ففي الكافي عن أبي بصير قال: كنت جالساً عند أبي عبد الله(عليه السلام) إذ دخلت علينا أم خالد التي كان قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ((أيسرّك أن تسمع كلامها؟)) قال: فقلت نعم. قال: فأذن لها، وأجلَسني على الطنفسة، قال: ثم دخلت فتكلمت فإذا امرأة بليغة، ولو كان الاستماع إلى صوت المرأة بلا ضرورة حراماً لما سمح الإمام لأبي بصير أن يستمع إليها. وحتى لو كان الإصغاء إلى صوت المرأة حراماً لا يحرم المأتم الذي يرتفع فيه صوت النساء فيصغي إليه الرجال الأجانب، بل يظل المأتم مستحباً، لأنّ حرمة الخارج المقارن لا يغير عنوان المقارن به. وقد روى الكافي صحيحاً عن زرارة فقال: حضر أبو جعفر(عليه السلام) جنازة رجل من قريش وأنا معه، وكان فيها عطاء، فصرخت صارخة، فقال عطاء لتسكتن أو لنرجعن. قال: فلم تسكت فرجع عطاء. قال: فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): إن عطاء قد رجع، قال: ((وَلِمَ؟)) قلت: صرخت هذه الصارخة فقال لها: لتسكننّ أو لنرجعنّ فلم تسكت فرجع، فقال: ((إمض بنا، فلو أنا إذا رأينا شيئاً من الباطل مع الحق تركنا له الحق لم نقض حق مسلم)). فالمآتم الرجالية والنسائية تجوز، بل تستحب على نمط واحد وإن استلزمت سماع الرجال الأجانب صراخ النساء الأجنبيات.
|